الضواحي "البدو حضرية" للمدن السهبية، التناقضات المجالية والأشكال الجديدة للاستقرار حالة المراكز الحضرية لولاية البيض

نوع المشروع : مشاريع المؤسسة
المحور : المدن والممارسات الحضرية
الكلمات المفتاحية : الاستقرار البدو السهب الضاحية المجال الحضري المركز الحضري

الإشكالية

يكتسب هذا المشروع أهميته من خلال الوقوف على راهن ظاهرة الضاحية البدوية كتكتل عمراني هامشي نَمَى حول المراكز الحضرية والشبه الحضرية للإقليم السهبي، ورصد انعكاساته على تغير البنية العمرانية والاجتماعية والاقتصادية، كونها تمثل امتداد مجالي عكسي، كمحاولة لفهم وتحليل الديناميكيات الاجتماعية المتداخلة ضمن هذا المجال فهما شاملا، بعدم استئصال المدن من إطارها الإقليمي ومن العلاقات المتعددة في تجمعها بالبوادي، والأخذ بالاعتبار تلك الخصوصيات البيئية والتاريخية الثقافية الحاضنة لمختلف التشكيلات العمرانية والطواهر المرتبطة بها، فكل إهمال لأي من تلك الخصوصيات وعزلها عن عملية التحضر قد يؤدي الى قصور في فهم الظاهرة الحضرية والظواهر المرتبطة بها. وتعتبر مدن المناطق السهبية مثالا على ذلك، حيث تتجلى خصوصية هذه المدن في تفاعلها مع نمط معيشي آخر ممثلا في المجتمعات البدوية التي هي قائمة جنبا إلى جنب مع المجتمعات الحضرية في إقليم واحد وتفاعل مستمر ومتبادل، والتي تعتبر أيضا أصل التركيبة البشرية لهذه المجتمعات الحضرية.

المراكز الحضرية لولاية البيض إحدى هذه المدن السهبية التي تعيش اليوم واقعا حضريا أفرزته سيرورتها التاريخية وخصوصيتها الاجتماعية، حيث كانت نشأتها استعمارية استوجبتها الوظيفة العسكرية، وكان نموها وتوسعها البشري على حساب نمط معيشي آخر ارتبط وجوده بالمنطقة هو المجتمع البدوي، كون أن المدينة استعانت، منذ فترة تشكلها كنواة، بالسكان البدو في تحضرها الديموغرافي، فمنذ الامتداد الأول لنواة المدينة والذي تم من خلال الحي المعروف باسم حي القرابة (Graba) والذي حشد فيه المستعمر السكان البدو من عرشي أولاد عمران والقراريج من البادية الذين كانوا يقومون بالثورات الشعبية بالإضافة لسكان العاملين عند المعمرين، وتوالى هذا الامتداد عبر مراحل نمو المدينة وبنفس التركيبة البشرية البدوية وبعروش متنوعة أهمها أولاد مومن، أولاد الحاج بحوص أولاد زياد، حيث حدث تزاوج بين الظاهرتين الاجتماعيتين البدوية والحضرية من خلال علاقات مختلفة اتسمت بالوظيفية التبادلية والعضوية.

غير أن المجتمع البدوي عرف تغيرات متلاحقة ومتباينة التأثير امتدت من الحقبة الاستعمارية إلى مرحلة الاستقلال. ورغم ثبات هذا المجتمع واستمراريته أمام مختلف التأثيرات التي تعرض لها خلال هذه الفترات إلا أنه بدت منذ عهد قريب ملامح التغيير العميق التي كانت نتيجة تعقد نظامه الاقتصادي الذي أفرزته الظروف الايكولوجية، وازدياد الاتجاه نحو الاستقرار. حيث أن فهذه التغيرات الحاصلة في المجتمع البدوي على المدى الزمني الطويل بتأثير الظروف الإيكولوجية تجعل من انتقال البدو من مرحلة البداوة الخالصة إلى صفة الاستقرار أمرا تطوريا.

فقد تضافرت عدة عوامل أدت إلى الانخفاض المستمر والمتزايد في تعداد السكان البدو، والذي يعتبر الظرف الايكولوجي أهمها والمتمثل في تأثير الجفاف الذي تعرض له المجتمع البدوي خلال فترات زمنية متعاقبة حيث أدى إلى تراجع النشاط الرعوي الذي يعتبر ركيزة الاقتصاد البدوي بالإضافة إلى صعوبة التموين بالأعلاف، حيث ألزم البدو إما على تغير المنطقة والتوجه إلى مناطق أخرى ملائمة أو ترك البادية بصفة نهائية والتوجه للاستقرار بالمدينة أو القرى القريبة من مناطق إقامتهم.

كما يلاحظ عدم التوازن الديموغرافي بين البدو والحضر وهذا ناتج عن حركة السكان خلال فترات زمنية متعاقبة بتأثير بعامل الهجرة التي تتم من المناطق البدوية ذات الكثافة الضعيفة إلى مناطق حضرية أكثر كثافة. بسبب تدني أوضاعهم الاقتصادية نتيجة لتقلص المراعي (الاستغلال المفرط للغطاء النباتي) وتغير الظروف الايكولوجية التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالحياة البدوية، حيث أدى تأثير الجفاف إلى الاعتماد على الأعلاف الجاهزة في تغذية المواشي بصفة رئيسية، حيث أن تربية الأغنام تعتمد بصفة رئيسية على الأعلاف في تغذية الأغنام، ومع غلاء أسعار الأعلاف أصبح البدوي غير قادر على تغطية مصاريفها، رغم الإعانات التي خصصتها الدولة لفائدة مربي الأغنام بدعم أسعار الأعلاف بنسبة 50%، وهكذا يجد البدوي نفسه مرغما للبيع من ماشيته ليوفر مصاريف الأعلاف وهذا ما أدى بالتدريج لتناقص أعداد الماشية التي تعتبر القاعدة الأساسية لاقتصاد البدوي، لهذا فهو يرى في الاستقرار بقرب التجمعات السكنية بديلا اقتصاديا قد يمكنه من إيجاد فرصة عمل على حسب إمكانياته وقدراته، وهذا رغبة منه في تحسين مستوى معيشته وهروبا من دائرة الفقر وهذا ما يؤكد أهمية العوامل الاقتصادية في إحداث الحراك الاجتماعي.

أدى هذا الحراك الاجتماعي لهذه الفئة إلى نشوء ضواحي سكنية هامشية غير منظمة منافسة للمجال الحضري حول المراكز الحضرية وشبه الحضرية لولاية البيض بنسب متفاوتة منذ نهاية التسعينيات، أفرزت انماط عمرانية جديدة متناقضة مع المجال الحضري خاصة مدينة البيض ومدينة بوقطب، الأبيض سيدي الشيخ، ليتراكم بذالك عدد الأسر البدوية بهذه الضواحي لفترات متعاقبة، لتصبح هذه الضواحي تشكل مراكز استقطاب للطبقات البدوية المتضررة اقتصادياً والباحثة عن بدائل اقتصادية أخرى بالنزوح حول المراكز الحضرية. مما أدى إلى إنتاج مجال مشوه عمرانيا( كتلة من الخيم والحظائر) ومختل وظيفياً، من حيث التركيبة والنشاط.

وبناءً على ما سبق، يأتي هذا المشروع لتتناول أحد أهم الظواهر المرتبطة بإحدى المناطق البيئية المهمة (المجال السهبي الجزائري الذي يضم 25 ولاية، تتوزع إلى ثماني ولايات سهبية، 13 ولاية فلاحية سهبية، أربع ولايات شبه صحراوية، تقدر مساحتها بـ 36 مليون هكتار، بنسبة 15 %من مساحة البلاد)، من خلال الوقوف على ظاهرة الضواحي البدوية باعتبارها تجمعات سكنية هامشية نمت على أطراف المراكز الحضرية وشبه الحضرية، هذه الظاهرة التي أفرزتها جملة من العوامل المتضافرة المرتبطة بالخصوصية الحضرية والأيكولوجية لولاية البيض، والتي تفهم ضمن الإطار الاوسع للعلاقة التاريخية والراهنة بين ظاهرتي التحضر والبداوة، كون الظاهرتين متداخلتين ومترابطتين زمنيا ومكانيا في شكل علاقة تفاعل مستمر، باستمرارية المجتمع البدوي الذي ظل قائما إلى جنب المجتمع الحضري متداخلا معه عضويا ووظيفيا. باعتبار المدينة – الواقعة في الجنوب الغربي للبلد- تصنف كمدينة حضرية نمت في إقليم سهبي ارتبط بسيادة النمط المعيشي البدوي التي استعانت بتركيبته البشرية في نموها وتوسعها، والذي لايزال قائما إلى جنبها ومتداخلا معها في علاقات تبادلية وعضوية.

وهو ما يجرنا إلى طرح العديد من التساؤلات التي تشكل مجتمعة جوهر إشكالية المشروع:

كيف يمكن فهم آليات الاستقرار البدوي (برصد أهم التغيرات التي لحقت بالمجتمع البدوي وهذا بتحليل تطور تركيبته السكانية وكذا أهم ممارساته الاجتماعية من رعي وترحال والتي تمثل ركائز الاقتصاد البدوي) التي تقف وراء هندسة هذه الضواحي البدوية؟ ما واقع هذه التجمعات البدوية وما انعكاساتها على المراكز الحضرية البنى الاجتماعية والوظيفية؟ ما هي آليات استيعاب (إعادة التنظيم الحضري) هذه التجمعات ضمن المجال الحضري المخطط؟

← العودة إلى القائمة