أفريقيا النوازل: مدونات الفقه النوازلي في الإسلام الأفريقي (القرن 11- 20م)

نوع المشروع : مشاريع المؤسسة
المحور : الحقل الديني وممارسات التديّن
الكلمات المفتاحية : إفريقيا التاريخ الدين الصحراء مخطوط

الإشكالية

لا يزال التحيز صامدًا بأن أفريقيا أرض عقيمة تاريخيًا، لا سيما فيما يتعلق بالعصور ما قبل الاستعمارية. فقد ساد لفترة طويلة زعمٌ بفتقارها إلى المصادر المكتوبة المحلية (المنشأ). ولم يمضِ زمن بعيد حين كان التأريخ الفرنسي يتحدث عن "قرون أفريقيا المظلمة"[1]. ونتيجة لذلك، ظلّت القارة الأفريقية حبيسة النظرة الخارجية المسلطة عليها[2]. إلا أن البحوث التاريخية المبتكرة التي أُجريت خلال العقدين الماضيين مكنت من تصحيح هذا التصور، من خلال دفع عجلة المعرفة بأفريقيا ككل؛ ليس فقط في أطرافها الساحلية، بل في عمقها الداخلي أيضًا.

وقد ساهم نوع معين من المصادر المكتوبة بشكل خاص في هذه الديناميكية البحثية الجديدة، ونقصد بها مدونات الحقوق الفقهية المعروفة باسم "كتب النوازل". إذ أظهرت هذه الأخيرة أهمية بالغة سواء للتاريخ أو الأنثروبولوجيا، والأنثروبولوجيا التاريخية، وفقه اللغة (الفيلولوجيا)، وعلم المخطوطات (الكوديكولوجيا). إن أطروحات متميزة مثل أطروحة الموريتاني يحيى ولد البراء (2001)، والأمريكيين غيسلين ليدون (2009) وبروس هول (2011) -الذين استعادوا العمل الرائد لإلياس سعد[3]- والألمانيين جوديث شيل (2012) وإسماعيل وارشيد (2014) -السائرين على خطى راينر أوزوالد[4]- ترسم معالم التجديد الهيستوغرافيا (التأريخي) من خلال الاستخدام الحصيف لهذه النتاجات المكتوبة في أفريقيا الصحراوية وتحت الصحراوية، عبر إتقان اللغة العربية التي ظلت لزمن طويل حكرًا على الفيلولوجيين المستشرقين المنكبين على مدونات "التقاليد الكبرى"، على عكس المتخصصين الآخرين في العالم الإسلامي الذين اشتغلوا على "التقاليد الصغرى"، وفقًا للتقسيم الثنائي الذي يعود لعالم الاجتماع روبرت ريدفيلد.

ومن الآن فصاعدًا، لم يعد مقبولاً القول بأنه: «كنا نعلم جيدًا أن عائلات دينية في أزواد وآدرار وتكانت قد أنجبت رجالاً مبجلين لصلاحهم وعلمهم، لكن لم يكن بوسعنا أن نتخيل أن الثقافة العربية قادرة، في مثل هذه البيئة، على أن تترجم إلى أعمال هامة؛ إذ كانت الشهادات المجموعة في مناطق مماثلة تسمح بالاعتقاد بأن الحياة البدوية القائمة على الحركة المستمرة والحرب والنهب والنزوح الكبير، تتنافى تمامًا مع أي ثقافة فكرية راقية»[5]. اليوم، لا نفهم فقط الظروف المفارِقة التي مكنت المجتمعات الصحراوية والساحلية من الارتقاء إلى مصاف الثقافات المنتجة للمعارف المكتوبة المعقدة (كتلك التي كانت تُصاغ في الحواضر الإسلامية الكبرى)، بل أصبح من الصعب حصر الكنوز المخطوطة الأفريقية لكثرتها وتعددها.

وفي الوقت الراهن، تواجه هذه الكنوز تهديدًا في أزواد المالية، وفي انحناءة نهر النيجر، وصولاً إلى الصحراء الجزائرية؛ بينما استفادت المخطوطات الموريتانية من برنامج ترميم وحفظ منهجي تقريبًا بفضل تمويلات ألمانية. وفي فرنسا، قامت الوكالة الوطنية للبحث (ANR) مؤخرًا بتمويل باحثة شابة من المركز الوطني للبحث العلمي (CNRS) بمبلغ 100 ألف يورو لمهمة استخراج واستنساخ مخطوطات "توات". كما رأت مشاريع مماثلة النور في أماكن أخرى، لا سيما في بريطانيا حيث قامت "مؤسسة الفرقان" بتمويل برامج مشابهة في النيجر وأوفدت بعثات خبرة بقيادة متخصص مصري في علم المخطوطات، قام بإعداد فهرس مخطوطات المكتبة الوطنية في نيامي[6]. يضاف إلى ذلك، فيما يخص مالي، مشاريع ممولة من برنامج "الأرشيفات المهددة بالانقراض" التابع للمكتبة البريطانية.

وعلى عكس بلد مجاور كالمغرب، الذي عرف كيف يتبنى سياسة علمية أفريقية[7]، تفتقر الجزائر إلى أي سياسة قادرة على المساهمة في ترسيخ انتمائها الأفريقي، في وقت تدعوها فيه سياقاتها الجيوسياسية والاستراتيجية أكثر من أي وقت مضى لمعرفة جيرانها الأفارقة وتعزيز الروابط العلمية والفكرية والثقافية معهم، كما يفعل المغرب بنجاح. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة لمؤسسة بحثية جزائرية لتتموقع في هذا الميدان الحيوي الذي يقع في قلب الرهانات العلمية والسياسية والدبلوماسية.

مشروعنا، وإن كان متواضعًا، يطمح لتطوير ما لم تستطع أي من المبادرات الجارية القيام به، وهو: التحقيق النقدي. إن إنقاذ الكنوز المخطوطة الأفريقية لا ينبغي أن يكون غاية في حد ذاته، أو نابعًا من منطق الحفاظ على التراث فحسب، بل يجب أن يرافقه وضعها تحت تصرف المجتمع العلمي الدولي لتعزيز دراستها. وفي هذا المسعى لإحياء التراث المخطوط العربي الأفريقي عبر تحقيقه نقدياً، يحركنا الاهتمام العلمي بقدر ما يحركنا الالتزام المدني. وتُمنح الأولوية في أبحاثنا للمدونات القانونية الكبرى الخاصة بجنس "كتب النوازل".

وقد وجدت الجزائر مكانها أيضاً في برنامجنا النشري؛ حيث اكتشفنا مؤخراً أول مجموع للحقوق الفقهية (النوازل) تم تأليفه على الأرض الجزائرية، وهي "أجوبة أبي جعفر أحمد بن نصر الداودي" (ت 402هـ/1011م)، والتي لم تكن معروفة من قبل إلا من خلال شذرات محفوظة في مدونة قانونية متأخرة تعود للقرن الخامس عشر. علماً بأن المؤلف هو أول عالم سني كبير عرفته البلاد، وتعد أعماله أقدم شهادة مكتوبة مباشرة عن السنية في الجزائر، حيث كانت الكتابات اللاهوتية الأولى باللغة العربية إباضية وتعود للقرن الثامن الميلادي.

لقد بدأت بالفعل مرحلة تنفيذ المشروع، وستُتوج في نهاية 2015 أو بداية 2016 بنشر مجموعين فقهيين؛ أحدهما جزائري والآخر مالي:

نوازل الشيخ محمد الفكون (ت 1114هـ/1702م): وتجمع الحلول القانونية لمدرسة قسنطينة بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر.نوازل الشيخ باي الكنتي (ت 1347هـ/1929م): وتجمع آراء آخر كبار فقهاء المذهب المالكي في الفضاء الصحراوي-الساحلي. وقد تم تحقيق نص هذا المجموع بناءً على ثلاث مخطوطات من أدرار، وتمنراست، وتمبكتو.

ستتمثل الخطوة التالية في تحديد وجمع منهجي للمدونات الفقهية في كامل المنطقة الصحراوية-الساحلية، بهدف إنشاء بنك بيانات رقمي بروح "مورد المخطوطات الشرقية" (OMAR) التابع لجامعة فرايبورغ. ذلك أن جزءاً كبيراً من هذه المخطوطات لا ينتمي لمجموعات عامة، وبعضها غير مفهرس في أي مكان، كما هو حال المخطوطات الصحراوية الجزائرية التالية التي حددناها وحصلنا على نسخ رقمية منها:

نوازل عبد الرحمن الجنتوري (ت 1160هـ/1747م).نوازل محمد العالم الزجلاوي (حوالي 1700-1750م).غاية الأماني في أجوبة الشيخ أبي زيد التنيلاني، وتجمع ردود عبد الرحمن بن بعمر التنيلاني (ت 1189هـ/1775م).أجوبة محمد بن عبد الرحمن التنيلاني (ت 1233هـ/1817م).غنية المقتصد السائل فيما وقع في توات من القضايا والمسائل، والمعروف أيضاً بـ "نوازل البالبالي" نسبة إلى الجامعَين محمد الحاج بن عبد الرحمن البالبالي (ت 1244هـ/1828م) وابنه عبد العزيز (ت 1261هـ/1845م).نوازل عمر بن عبد القادر الرندي.

ويمكن مباشرة عملية الرقمنة بالشراكة مع مؤسسات جزائرية أخرى كالمكتبة الوطنية ووزارة الشؤون الدينية. كما يمكن أن تكون وسيلة لمركز "كراسك" (CRASC) للمساهمة في إحياء "المركز الوطني للمخطوطات بأدرار" الذي ظل هيكلاً فارغاً منذ إنشائه عام 2006.

يبقى القول إن العمل المطلوب طويل ويحتاج صبراً، ويتطلب مهارات عديدة، ليس أقلها المهارات الفيلولوجية (فقه اللغة)، وهي مهارات نادرة في الجزائر. وهذا ما يفسر تراجع التحقيق النقدي للمخطوطات العربية بدلاً من تقدمه منذ عهد الراحلين رابح بونار وأبو القاسم سعد الله، رغم التمويلات الكبيرة التي منحتها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لعدة مختبرات متخصصة. وللمساهمة في تكوين متخصصين، سنخصص جزءاً من عملنا للتكوين في البحث من خلال الممارسة. إن فريقنا متواضع (خمسة باحثين)، لكنه خيار مدروس، مع انفتاحنا على التوسع. أما نقطة قوتنا، فتكمن في امتلاكنا لشبكة تعاون تمتد من أفريقيا إلى الولايات المتحدة مروراً بأوروبا.

[1] ر. موني، قرون أفريقيا السوداء المظلمة، باريس، 1970. [2] حتى الأعمال المتميزة مثل عمل جان لوي تريو (أسطورة السنوسية السوداء: طريقة صوفية صحراوية تحت النظرة الفرنسية 1840-1930) اعتمدت فقط على المصادر الاستعمارية. المثال المضاد يقدمه الأمريكي جون هانويك الذي عمل كثيراً للتعريف بالثروات المخطوطة الأفريقية. [3] إ. سعد، التاريخ الاجتماعي لتمبكتو: دور العلماء والأعيان 1400-1900، مطبعة جامعة كامبريدج، 1983. [4] ر. أوزوالد، المجتمع الطبقي والقانون الإسلامي: الزوايا والمحاربون في الصحراء الغربية من خلال الفتاوى القانونية من القرن 16 إلى 19، فيسبادن، 1993. [5] إسماعيل حامد، «الحضارة العربية في أفريقيا الوسطى»، في مجلة العالم الإسلامي، 1911. ويُسجل لهذا العالم الجزائري كونه من رواد الدراسات التاريخية الأفريقية. [6] هذا مجال آخر يمكن أن تتدخل فيه الخبرة الجزائرية؛ فهذا الفهرس يحتوي على أخطاء عديدة ناتجة عن جهل مؤلفه بالتقاليد النصية والمخطوطة المغاربية الساحلية. [7] أداتها المؤسساتية هي "معهد الدراسات الأفريقية" وهو مؤسسة جامعية تُعنى بكل ما يخص تراث المغرب وأفريقيا المشترك.

← العودة إلى القائمة